مَنْ يَلومُ الخُرافةَ إنْ هي يوما
صدّقتني؟
أنا العَرّافةُ،
أشهَرتُ عِتقيَ لعَفاريت الشّوق،
تهدهدُ صِغارَ الطّائرِ الخُرافي
على بُرْجٍ من دخّانِ منافضِ السّجائرِ،
و تعْقرُ الزّمَنَ
لِمن كانَ فينا الخاسِر البائِر.
مَنْ يَلومُ الخُرافةَ إنْ هي يوما
صدّقتني؟
أنا العَرّافةُ،
مُذْ لفَظَتني بَطنُ أُمّي
سقَطَتْ عند قَدَمي أَستارُ الحَقيقةِ،
و عمّني ظلامُ الّلامِ
فرأيتُ ذاتَ فَجْرٍ
روحي تَتَسلّقُ خيوطَ النورِ
خَلفَ الشَّجرة...
أنا العرّافةُ،
لا أزالُ منذُ بدءِ تاريخِ الهُبوطِ
مُعلّقةً خلفَ بابٍ موصدٍ
والسّماء وراءَهُ، تُغْريني
باحتمالِ أَوْبةِ الطيورِ المهاجِرة إلى دواليها،
فمتى، متى صدّقتني الخُرافة،
من يلومُها.
تنَبّأَتِ الرّيحُ بسُقوطِ النَّوارسِ تباعاً،
أسْدلتْ "سجاحُ" خِبائها،
توسّدَ مدّعٍ زِنّارها،
سقطَ فرضٌ...
وكانَ مَهْرَ سقوطِها
وجَعا معمّدا بنارِ السّادنِ يُلهبُها.
أيُّ مساءٍ من مساءاتِ الفَوضى
آتيكَ بِهِ وعجائنُ ال "بيتزا" تعطَّنَ خميرُها
و"سجاح" لم تُؤْتَ بُرْهانَها
أنا العرّافةُ أقولُ،
عندَ مذْبحِ اليَقينِ اعْتَلْيتُ مِكْنسَتي،
هيّجْتُ طواحينَ الألمِ
ووقفتُ ألُمُّ أشلاءَ أحلامكم،
لمّا بعثَرتْها يمينُ تاجِرِ الرِّمالِ
وذَرتْها في العراءِ رياحُ الشّمالِ،
أنا العرافة،
متى، متى صدّقتني الخُرافةُ
من يلومُها...
منذُ أنْ لامَستْ حَلْمَتُ أذني
بطْنَ الأرضِ،
وأصخْتُ السّمعَ لهديرِ الدّم،
يجْري مجرى النّهرِ...
نهَشَتِ الغُربةُ كبِدي
واعتراني الرحيلُ
مرّةً بعدَ أخْرى .. أرحلُ... أتلاشى
بعضي يجُرّ بعضي...
وخريرُ الدّم لا يمضي
فليكنْ –خريرُ الدّم هذا–
غواية البدايات بخواتِمِها،
يجلو ما شابَ عقل الفتى من لبْسٍ
لمّا ادَّعى أنَّ الهمّ كالأرضِ،
بيْضاويَ الشّكلِ ضبابيَ المعنى
و أنّ الحُزْنَ علَمٌ يُطاولُ المدى
مَن يلومُ الخُرافةَ إن هي يوما صدّقَتني
أنا العرّافةُ،
الآنَ أدخُلُ طقْسَ الدّهشَةِ و أقولُ:
منْ باتَ مِنكُم بلا حُلُمٍ أو ألَمٍ،
حَلّتْ به لعْنَةُ الصّمْتِ وطَوّقَتْهُ الظُّنون...

صباح النور
ردحذفشكرا صديقي الشاعر ومن خلاله الشكر موصول لكل رواد المقهى الادبي
كل الود والحب محفوظ لكم