2021/01/26

رواية ضمير مستتر لبسمة الشّوالي : من الفقد إلى الفقد .. إلى الأحواض البيرانا البشريّة

وأنت تعالج هذا النصّ بحثا عن بوّابة للعبور إلى المعنى لا تجهد نفسك كثيرا ولا تخدعنّك لغة الضّباب والغياب، ولا تُلْقِ بالا لِمَا تتوهّمه إيهاما ترميزا ومبالغة في الإيهام، فما تلك إلاّ شعريّة اقتضتها حرارة النصّ وتهويمة من تهويمات الوجود الباحث عن معنى للسرّاب الجاثم على المشهد القاتم. فمن البديهيّ ان يكون الأسلوب كذلك لغة واصطلاحا. وهل يعقل الكشف عن الواقع الغامض بلغة واضحة ساذجة يعتريها غبار التفاهة والسّائد والمألوف؟
اعلم أنّ الواقع لم يعد كما تعلم، ولم يعد ذلك المألوف السّائد، والمعاني لم تعد ملقاة بالطريق كما زعم الجاحظ في غابر الأزمان. فواقع الحال قد تعكّر صفو وضوحه وأصبح طلسما حيث لا تتوقّع. تجري الأحداث بتسارع رهيب، ينخرم نظام الكون في اليوم آلاف المرات، تتشابك الحكايات، تتعقّد، تنسج خيوط عنكبوتها حول رقابنا فنتنفّس بصعوبة ونفهم بصعوبة أكبر، ونعجز عن التعبير في جلّ الأحيان.
في هذا الرواية حكاية بلا شكّ. حكاية بسيطة جدّا حدثها القادح ولادة توأم ملتصق في مستوى الفخذ، تتبنّى جمعيّة خيرية فرنسيّة عمليّة الفصل بينهما، وعند الكبر يذهب كلّ منهما في طريق. الأوّل مثقّف مناضل والآخر بغيّ يبيع جسده لمن تدفع أكثر ويتحدّد مصير كلّ منهما وفق ما سطّرته صاحبة الفضل "ألين" الفرنسيّة" التي حوّلت منزلها في تونس إلى حوض للبيرانا البشريّة. والبيرانا نوع من السّمك يمكن تربيته في الأحواض وهو معروف بشدّة شراسته، شراسة دفعت العملاء المجندين إلى القيام بأعمال قذرة خدمة لأجندا خارجيّة لا علاقة لها بمصلحة الوطن.
ونظرا للبنية السرّدية المعقّدة لهذه الرواية بسبب كثرة الاستطرادات والتأملات والتهويمات واللغة والشّعريّة الشفاّفة، الأمر الذي قدر يدرجها ضمن خانة الروايات التجريبيّة، فأننا سنترك للقارئ مهمّة متابعة الأحداث بتفاصيلها ونكتفي بتوجيه عامّ للوقوف على الدلالات. ولكشف شيفرة هذه الدلالات سنكتفي بالنّظر من خلال وظيفة واحدة من وظائف السرد المتعدّدة إلا وهي الوظيفة التفسيريّة، قد يبدو أنّ السّرد في هذه الرواية بُنٍي على سؤال جوهريّ: ما هي أوجه النّقص التي تعاني منها جلّ الشّخصيّات والتي جعلتها فريسة طيّعة للأجنبيّ في أحواض البيرانا البشريّة ؟ ويأتي السّرد تفسيرا لهذا السّؤال. كلّ الشّخصيّات تعاني من فقد ما، معطوبة، مجروحة في خاصيّة من خاصياتها. ولكن سنكتفي بشخصيّة مالك باعتباره الشّخصية المهيمنة عسى نقصه وجروحه تنير لنا ما أقدم عليه من غامض الفعل.
I / - من الفقد إلى الفقد
1- فقدان التوازن العائلي :
كان اغتصاب أحد التوّأمين ثمّ قتله الكارثة التي حلّت بالعائلة وإذا الأمّ مشدودة إلى ابنها المغدور مندمجة مع عالم الحزن في حالة أشبه بالخبل. لم تعد لها صلة بما حولها حتى بابنها الباقي والماثل أمامها يستجدي عطفها دون أيّ استجابة منها: " يغرورق في صدره الشّوق إلى حضنها الذي ينأى عنه مرمى حضوره المهزوم حزنا وحنينا وحاجة وضعفا"( ص8)، وبفقد الأمّ تنهار منظومة التوازن الداخليّ للشّخصيّة لأنّ الأمّ هي العامل الأساسيّ في ذلك التوازن. حنينها وحنانها وروحها التي تتسع لكلّ أحزان قلبه وتستوعبها حتى تخفّ عنه : " صدرها صدرك يسع تبعثري غنيّ يؤمّن طعام قلبي الشّره وروحي الظّمأى على الدوام"( ص18). وكان لهذا التفكّك الأسريّ الناتج عن تغاضي الأم عن ابنها الحيّ و سوء توزيع عاطفة الأمومة آثاره الكارثيّة في مواجهة الشّخصيّة للزمن حيث تسلّمه أمّه لشّيخوخة قبل أوانها فيعيش حالة تدحرج بين المواجهة الاستسلام: " لا تسلميني إلى الكبر أرجوك .. إنّي أتشقّق أنشطر، أتبعثر.." (ص9) عندئذ تفقد الحياة قيمتها: شخصيّة بلا هدف، بلا وجهة واضحة نحو المستقبل، متأرجحة بين جسد يشدّها إلى أسفل وروح تسمو إلى أعلى ليصبح الجسد مجرّد طين، مادّة بلا معنى، بلا شكل ، بلا هويّة روحيّة أو فكريّة أو عاطفيّة: اناي تخرج عن أناي لكنّها لا تعرف أين تذهب، فيمن تحلّ، روحي تقيم فيّ مكرهة، ضلّت سكينتها فيّ وضلّ جسدي هويّة طينه فيّ" (ص9) وهنا يكمن مأزق الشّخصيّة: الإحساس بالنّقص الذي يعني الفراغ و العدم ويصبح أكبر همّها تجاوز ذلك النّقص عبر استعادة الروح المسلوبة المنزوعة من نصفها الآخر الجسديّ . إحساس فظيع بالوحدة ورغبة شديدة في إعادة الالتحام بين شطري الكيان: " قد صرت وحيدا جدّا، ناقصا كثيرا، فاقدا نصف كياني" (ص8) والحلّ يكمن في العودة إلى حضن الأمّ " فاعرفيني ثانية لأكتمل"(9) لكنّ ذلك يتعذّر عليه بحكم شرود الأمّ المفجوعة بأنها القتيل المغتصب. وهكذا تكتمل الصّورة النهائيّة للفقد، فقد ثلاثيّ الأضلاع: أب عاجز كما يبدو ظاهريا في بداية الرواية و لكن مع تقدم سيرورة الزمن نكتشف أنه لم يستطع تصديق ما حدث و أن هروبه كان هروبا نفسيا ناتجا عن عدم القدرة على القبول بالأمر الواقع . الضلع الثاني في هذا الفقد هو الأم التي لا تتعرّف على ابنها حذوها لأن قلبها مع الآخر المقتول غدرا و اغتصابا . الضلع الثالث في المأساة ذلك الأخ " الحي " الذي عجز عن نسيان جريمة قتل توأمه : " جنح أبوك إلى التّيه هربا من الحقيقة وعثرت أّمّك على طريقتها السحريّة في التعايش مع الكارثة وظللت أنّت طريق النسيان" (ص10) وفي ظلّ هذا التناقض الصارخ صار خطّ السّرد في الرواية واضحا: للشّخصية خياران لا ثالث لهما:" إن لم تستطع أن تجنّ فلتقتل، ستعثر إذّاك على الممرّ السحريّ لعمرك الباقي." (ص10) ويكون القتل الخيار الأمثل لاستعادة توازن الذات عبر الرّواية. القتل هنا هو رديف الجنون أو هو الوجه الآخر له وقد نتج عن عدم ثقة في العدالة القانونية بعد تبرئة القاتل من قبل متنفّذ في السلطة .
لكن القتل سيؤدي الى فقد آخر و حكاية أخرى .
2- الفقد العاطفي :
كلّ شخصيات هذه الرواية كانت تبحث عن الحبّ ولا تجده وهو العنوان الأبرز لفجيعتهم جميعا. هذا الفراغ العاطفيّ هو الذي سيُسهّل فيما بعد اكتساحهم من الدّاخل والسّيطرة عليهم وتجنيدهم. أمّا عوامل الفقد فهي عديدة ومنها :
* سبق وقلنا إنّ القتل سيؤدّي إلى فقد آخر وحكاية أخرى بحكم جبريّة سلوك البطل الذي تحدّد مصيره سلفا منذ بداية الرواية ألا وهو جريمة الأخذ بالثأر التي حوّلته إلى مطارد ممّا اضطرّه إلى الهرب إلى فرنسا والتخلّي عن حبيبته " عربيّة ( هي حليمة بعد أن تحوّلت إلى راقصة وغيرت اسمها إلى عربيّة) التي لم تتقبّل ذلك البعد واعتبرته نوعا من الغدر لأنّه فقد روحيّ وجسديّ" هل تبشّرني بالغدر يا نوري" ( ص17)
*عامل ذاتيّ: أزمة أخلاقيّة عبر تاريخ البغاء : بيع النّفس من أجل المال وفيه تعدّد والحبّ لا يكون إلاّ مع آخر متفرّد يملك جسده وروحه ولا يبيع نفسه: "فات أوان الحبّ يا نوري كلانا اليوم بغيّ. تعلم ذلك وتعلم أنّك البادئ ببيع نفسك لمن تدفع أكثر" (ص 21. عربية بدورها يقع استغلالها في الإيقاع بالعملاء وجمع المعلومات من الزبائن .
* الكذب: اضطرار إلى تقمصّ شخصيّة أخرى للتضليل عن الشخصية الحقيقية في حين لا يكون الحبّ إلا بين شخصين معروفين لبعضهما، صادقين: أنا لم اعد حليمة يا نوري. أنا اليوم عربية. حتى أنت لم تعد أنت. تبيّن أنّك مروان الدبوسي. نوري كان أضغاث كذب.مزحة سخيفة" (ص 21).
3 - فقدان الهوية :
في ظلّ فقدان العدالة حيث تحمي الحكومة مخبريها وتُبرّؤهم من القتل والاغتصاب يتحوّل البطل إلى آلة للقتل. جسد بلا إرادة بلا قدرة على الفعل هو بالتأكيد جسد بلا هويّة. والأقسى من ذلك إجبار القاتل على التلبّس في شخصية أخيه الميت وهو ضرب آخر من نزع الهويّة. إن البطل الذي يبحث عن ذاته التي ضيّعها يتوسّل بالحب ليتجاوز نقصه في امرأة تعطيه ما افتقده من عاطفة فيفاجأ بأنّها تحوّلت من بعده إلى راقصة توزّع ذاتها على ذوات الآخرين حتى لا ترى نفسها مجتمعة فترى حقيقتها الصادمة : " أنا فقط فارّة منّي إلى ما لا يؤدّي بي ثانية إليّ. أبعثرني في العيون وعلى الشفاه والأحضان حتى لا أتعثّر بي مجتمعة فانهار أسى عليّ" ص 23 امرأة بهذا التشظي كيف لها أن تُغْنيه ؟ هي متشظية متعدّدة في الدّاخل مقموعة في المجتمع بحكم ما آلت إليه بقهر الظروف. وهو ليس بريئا ليحملها خطأ أنّها لم تُغْنِه ، بل هي التي تُحمّله تبعات تدهورها وهي مُحقّة إلى حدّ ما ذلك فلا يمكن بعثرة الواحد. الكثرة هي ما يتبعثر وقد نتجت الكثرة عن تشظّي الذات المجتمعة ظاهرا وتجزّؤها إلى هويات صغرى أقلّها حليمة الأولى وعربية الثانية والأم التي سنكتشفها في النهاية وبذلك لا يجد بطل الرواية من سبيل في النهاية إلاّ أن يلوذ بنفسه ليواجه التركيبة التراجيدية لشخصيّته: رأس بلا أفكار (مكننة الجسد) وقلب بلا عاطفة ( محرّمة عليه) وواقع هشّ لا يسمح بتماسك الشخصية ولا حتى امتلاك الوجهة الصحيحة للذّهاب إلى المستقبل. هي شخصية اللاشيء واللافعل واللاّهويّة" هويّتي دونك بلا سقف فرأسي غير آمن وظهري بلا متكإ وقدماي على رمال متحرّكة" ( ص22).أمام هذا الفشل الذّريع وبسبب انعدام الأمان على إثر ارتكاب جريمة القتل لم يجد البطل من خيار إلا الاحتماء بكهلة أجنبية وهو نوع من التصدّع الذّاتيّ يفقد فيه الشابّ خاصيّاته الجسدية كشاب يتّقد حيوية ونشاطا إلى آخر مجمّد في ثلاّجة جسد لا يشتهيه لكن يحتاجه للحماية.إنّ فقدان الهويّة الخاصّة هو مرحلة ضروريّة للاندماج في الآخر ( المرأة الفرنسية صاحبة الحماية)، لتصبح بلا إرادة، بلا حرية بلا اختيار، مهيّأة للتشكّل كما يريدون. و هنا تكمن الرسالة الأعمق للرواية : الشخصية إذا لم تكن محصّنة من الداخل ( حصانة عاطفية و روحية و فكرية ) فهي قابلة لكل الاحتمالات . حتى أن تكون شخصية عبثية .
II / - من الفقد إلى أحواض البيرانا البشريّة :
لقد بدت أغلب شخصيات الرواية ضعيفة معطوبة في حاجة إلى حماية أو سدّ نقص ما تعاني منه. الأخطر فقدان الهويّة الذي يؤدّي إلى انهيار الذات وتصدّعها وانشقاقها. وهذه الهشاشة في الشّخصيّة هي المدخل السّهل لتجنيدها من طرف الأجنبيّ بحتميّة لا تملك لها فكاكا: " لن تنجو منهم ما دمت مكسّر الذّات إلى شقف ثلاث: مالك القاتل ومروان المغدور ونوري الوهميّ" (ص56) وبمجرّد لجوئه إلى المرأة الأجنبيّة استغلّته جنسيا وجادت عليه بدين لا يمكن سداده إلا بالعمالة:" هي لا تنتظر، تورّط عاشقها في دين عاطفيّ لا قبل له بسداده ثمّ تقتحمه، تجتاحه، تحتلّه، تستوطن في كلّ شبر من كيانه" ( ص51) وما حلّ بمالك حلّ ببقيّة الشّخصّيات لأنّها جميعها لها جروحها ونقصها: "هذه استراتيجية عملهم النّاجحة، ليس لأوطاننا ثروات مثلنا، نحن جرحى أجسادنا وجروحنا التسّع هي مجال استثمارهم الأجدى. نحن الأسلحة البيولوجيّة الجديدة التي يديرون بها حروبهم ضدّنا" (ص40). إنّه التدجين بقصد العمالة للأجنبيّ. غزو من الداخل أو هي الهيمنة الاستعماريّة بشكل مباشر عبر عملاء الدّاخل. هذا التجنيد تخطيط غربيّ بامتياز له استراتيجيته الواضحة في تفريخ العملاء وضمان تكاثرهم. فكلما تكاثر العملاء ازدادت ضمانات المستقبل بالنسبة إلى الغرب لأنّه بذلك يضمن ولاء الداخل للخارج تحقيقا للمصالح الدّائمة: " أنت يا عزيزي سمكة بيرانا جميلة ونادرة ونحن في أحواض تربية البيرانا نحسن انتقاء العينات المخصبة عادة ونجتهد في العناية بها فنوفّر لخدمتها احدث التقنيات وأرفع الميزانيات وأدقّ الاستراتيجيات." ( ص54) وتقتضي الخطّة إعادة نحت الشّخصيات من جديد ضمن قوالب جاهزة لا صلة لها بالوطن الأم، تنفّذ بشكل روبوتيّ وتخضع لإرادة الأجنبيّ ومصالحه: " كنّا جميعا هناك نذاب كالرّصاص في قوالب الغرام الوقود ثمّ نُصبّ في قوالب جُهّزت لنا سلفا.. في تلك القوالب لن نكون نحن تماما بما نحن عليه أصلا.. في تلك القوالب نحن آخرون ، غرباء عنّا نسكن الحيّز المرئيّ من ذواتنا ونحيا بـ "كيف" التي يسطّرون لنا." ( ص 30). ولتحقيق ذلك رُسمت خطّة محكمة لتوريط الجميع في جريمة جماعيّة بدأت بتوثيق الفضائح الجنسيّة ليلة رأس السنة إثر تناول مشروب مخدّر ثمّ التورّط في دفن إحدى النساء حيّة بمشاركة من الجميع وتوثيق ذلك عبر الفيديو كوثيقة إدانة تدفع بالجميع إلى التجنّد لخدمة الأجنبيّ خوفا من الفضيحة. أمّا طرق التجنيد والتّعبئة فهي عديدة، إذ تقتضي تربية البيرانا البشريّة القسوة في المعاملة لتحقيق التحكّم الكامل بما في ذلك الاعتداء على حرمة الجسد عبر زرع شفرة الكترونيّة فيه للتحكّم بشكل قهري في سلوك الشّخصيّة ( ضرب من الخيال العلميّ ): " شفرة تحميل ملفّ من الذّوات المبرمجة إلى جسمك هذا وركنك جانبا منه"( ص42) وبذلك يفقد العميل القدرة على التحكّم في جسده لأنّه صار ملكا لمن جنّدوه:" لم يبق هذا جسدك وحدك صار شبيها بمحلّ سكنّي جماعيّ وأنت إحدى ساكناته. حتى أقدميّة وجودك فيه لم تمنحك حقّ ملكيّته "( ص42). ومن بين طرق التحكّم في العملاء الابتزاز العاطفيّ عبر أسر العميل عاطفيّا . من ذلك توريط مالك لنورس في الحب واستدراجها إلى فيلا عياش وتوريطها في فضائح جنسية وإجرامية .إنّها تؤدّي "عملا" تحت ضغط قاهر وتحت سلطة قويّة تتحكّم بها وفي مصيرها و مروان ( مالك ) الذي جنّدها يكتشف حقارته و أنه لا يختلف عنها في ما أقدمت عليه بحكم الاضطرار و الخضوع إلى قوة قاهرة متحكّمة : " قصّة حبيّ لك قصّة في محلّ صفقة حقيرة أجبرت على توقيعها. لا عذر لي بنظرك لا يهمّ ولن يكون لك أيّ عذر يقنع ضحاياك فيما ستقدمين عليه. تنفّذين فتتعذّبين أو ترفضين فتتعذّبين أشدّ. لك الخيار. أنا وأنت كيف كيف الآن. خرجنا من حيّز الضّحيّة.. ستصيرين مثلي موظّفة محترفة لديهم. المهارة هي ما عليك اكتسابه مقابل البقاء على قيد الحياة والسلامة الجسديّة " ص41 . ولعلّ أخطر ما في القدرة على تشكيل العملاء بناء شخصيات مركّبة ظاهرها النعومة والليونة وباطنها الشرّ والغدر والخيانة : " إنّ السّحرة الجدد لا يحوّلون البشريّ إلى حيوان قد يصادف قلبا شفوقا يتولّى رعايته. هم يرعون الأفعى تحت البشرة النّاعمة ويعلّمونها كيف تحوّل فحيحها شعرا وسمّها عسلا.. هم طفل الذّئب تربيّه البدويّة صغيرا فيبقر نعاجها إذا شبّ" ( ص38). إنّها القسوة في أبشع وجوهها حتى إنّه " من يعشق من العملاء يمح.. لا حقّ لهم في الحبّ إلا كمهمّة" ( ص70) وهل أشنع من دفن عميلة حيّة وعلى أيدي زملائها لأنّها أحبّت أحدهم ذات يوم ؟
هكذا إذن تبدو منظومة العمالة منظومة قاسية قائمة على العنف تطحن بعضها بعضا تحكمها ثنائيات العملاء العاديين والعملاء الأكثر ولاء، حيث لا مجال للخروج عن الطّوع او التقصير في المهامّ لأنّ المصير هو التصّفية الجسديّة بلا رحمة ويصبح البقاء على قيد الحياة منحة ترتبط بمدى الإخلاص للأجنبيّ و أداء المهامّ الموكلة : " "نحن "هم" إزاء بعضنا البعض، إزاء أنفسنا عينها.. وعلى حافّة الهاوية حين نسقط كلنا شبه الضّفادع الشّامّة التي نشف السمّ من ألوانها نصير الضّحيّة المستهدفة منهم بعملائهم الأكثر فتوّة وعتوّا" ( ص 41).
لعلّ أبشع ما في سرد حكاية العمالة وأكثرها قذارة أن ترتكب الجريمة باسم الشّهيد الطّاهر المغتصب القتيل وهو أشبه بتواصل الاغتصاب لحالة ما بعد الموت عبر مواصلة شخصيته في شخصيّة مالك عميلا بائعا لوطنه لصالح الأعداء. كلّ ذلك لمحو صورة الشّهيد المناضل والشاعر الملتزم بقضايا أمّته وأولها قضيّة فلسطين طمسا لقاموس النّضال.
إنّ هذه القراءة مجرّد إضافة صغيرة إزاء إضافات كثيرة تحتاجها هذه الرواية القيّمة نظرا لزخم القضايا في ثنايا السّرد. ويمكن أن ننبّه النّقّاد المختصّين في مجال السّرد إلى بعضها على سبيل الذّكر لا الحصر:
* مسألة المرجعيّات من الأدب اليونانيّ و الأدب العالميّ و التراث الأسطوريّ
* مسألة العجيب ودلالاتها: في الفيلا يعمّر الجنّ المكان والقرع يتحوّل إلى أشباح وغيلان.
* مسألة الخيال العلميّ: تحميل ملفّ داخل جسد العميلة
* مسألة التجريب من خلال البنية السرديّة المضطربة واللغة الشعريّة
* مسألة الإيقاع الدّاخليّ للسّرد
كلّ هذه المسائل وغيرها تدلّ على ثراء المنجز السّرديّ في هذه الرواية ويدفع دفعا إلى قراءتها وتناولها بالبحث والتمحيص فطوبى لمن سيقرؤها وطوبى لمن سيبحث ويهتمّ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق