2021/01/10

من مخاتلة التوليد إلى سلطة التّأويل : مقاربة لقصّة مرتزكة للقاصّ نبيل نجّار



إن النص الأدبي ظاهرة معقدة،ويأتي ذلك من منشئها الذي يخضعها لإجراءات لغوية وحيل أسلوبية وتكتيكات في التخفي وراء أقنعة مختلفة.بيد أنه حين يؤلف النص يقصد به قارئا معينا يفترض فيه مواصفات معينة يتصور من خلالها "قارئا نموذجيا" قد لا يكون موجودا في الواقع. يشيد المؤلف النص لذلك "القارئ" وفق استراتيجية توليدية، تبدأ من اختيار اللغة،والمعجم النوعي،ونمط الموسوعة والأسلوب والأجواء التي تغلف النص.وهو لا يغيب عنه أنه سيقابل باستراتيجيات تأويلية يتسلح بها القراء الذين سيتعاملون مع نصه.لذلك يكون حريصا على أن لا تفضح أسراراستراتيجيته التوليدية منذ البداية،فيعمد إلى التمويه من خلال العنوان الذي لا يريده فاضحا بل قد يجعله مضللا مخاتلا.من هنا ندخل إلى فضاء هذا النص الذي بناه مؤلفه وفق استراتيجية ترمي إلى أن تحتفظ بكل أوراقها وفق خطة للتمويه ومخاتلة قارئه.وكانت أول أحبولة نصبها في طريق القارئ هي العنوان،لانقصد العنوان الحالي "مرتزكة"،بل نشير إلى العنوان الأصلي الذي حذفه المؤلف على مضض وبدون اقتناع.ورأى أن العنوان البديل كاشف أو فاضح للنص. أي أ فشلت واحدا من تكتيكاته التضليلية التي أراد بها جر القارئ إلى جهة معينة حتى لا يفتضح أمر النص.ودليلنا على ذلك أن كلمة "مرتزكة" لم تظهرإلا في آخر النص. والعنوان الأصلي "خصيتا حمار" ظهر في وسط النص.هكذا فقد النص واحدة من أوراقه الرابحة،فغدت قراءة نصه تتم بناء على كلمة "مرتزقة".ومن هنا خندقه بعض القراء في إطار إيديولوجي ضيق،انطلاقا من صراعات معروفة تعيشها أرجاء وبلدان معينة من عالمنا العربي.فأصبحت استراتيجية النص التوليدية ذات بعد سياسي مباشر لخصتها قراءة في (محاربة الدين الاسلامي ممثلا في الامبراطورية العثمانية)،فترك النص جانبا واستحضر المؤلف على شاكلة (محاكم التفتيش) وكيلت له التهم.فبات النص ممثلا في ما قالته إحدى شخصياته حجة على صاحبه.فتغير مجرى الحديث من النص إلى إشكالية أخرى وهي :هل المؤلف مسؤول عما تنطق به شخصياته؟ هنا مرة أخرى سيظهر رأي ينفي أية صلة للكاتب بما تتلفظ به شخصياته.ورأي آخر سيحمله وزر كل ما تقوله شخصياته.في ما يبدو أن المؤلف وهو يسعى إلى خلق صراع في نصه يختار العناصر التي يتولد منها ذلك الصراع.فمسؤوليته معنوية لأن النص ملك له.وهي ليست مسؤولية جنائية أوقضائية تستدعي محاكمته.إنما يقتضي الأمر انتقاد نصه نقدا منهجيا بالدليل والبرهان.
إن ما أدخل النص ،في رأيي،في هذا الأتون هو مراهنته على توجيه قارئه نحو استراتيجية تأويلية واحدة،ترتبط بالوضع السياسي الراهن في منطقة معينة هي بلد المؤلف،وربط حاضرها بآلامه وإكراهاته بماضيها في سياق محدد.فبمجرد ما ذكرت علامات وملفوظات (أذربيجان، ليبيا الأتراك العثمانيون،يلعن أبو تركيا... ً ماذا جاءَنا منها إلا الخراب؛ تأخذ رجالَنا و..و.. يلعن أبوها على..) صار النص ببعد تأويلي ذي اتجاه واحد.وهذا مازكاه المؤلف في مصادقته على مقاربة تأويلية ركزت على البعد السياسي الراهن واعتباره امتدادا للماضي.هذا الرهان هو ما شغل فكر المؤلف.وذلك حق مشروع له يتفاعل مع أحداث وطنه ويعبر عن رأيه تجاه حاضره ويربطه بالماضي.يدين من يراه سببا في ما ألت إليه الأوضاع في بلاده.
لكن هذا لا يلغي ما انطلقنا منه من كون النص الأدبي، معقد لأن مؤلفه يترك فيه بياضات وفجوات تنتظر من يملؤها ولامصرحا به ومسكوتا عنه يعول على القارئ ليبرزه.وذلك يكون داخلا في إطار استراتيجيته التوليدية.وكلما كانت البياضات والفجوات تحتمل عدة تأويلات كان النص مفتوحا قابلا لتعدد القراءات التأويلية.بل يفتح المجال أمام القراءة الإبداعية أو ما يسميه بارث بقراءة المتعة أوالقراءة العاشقة.بخلاف النصوص التي تراهن على الاتجاه الواحد في التأويل كالنصوص الايديولوجية مثلا ،لأنها تبشربفكرة واحدة ولاتسمح بتعدد التأويلات.ربما هذا ما سقط فيه هذا النص،ماجعل قارئة تذهب بعيدا وتشكك في كونه قصة.لا ننكر الجهد الذي بذله المؤلف في تحبيك النص وتنويع طرائق اشتغال نصه السردي من سرد وحوار ووصف. وتوظيف لحيل ابداعية كالحوارية وتنوع المحكيات،والكوميديا السوداء،والرسم الكاريكاتوري لبعض شخصياته .وقد تنبهت بعض القراءات لهذا الجانب في النص وأثنت عليه.لكن ظلت المقاربة الغالبة على معظم تدخلات القراء هي المبنية على التـأويل الأيديولوجي السياسي للنص.ومن هنا أهدرت جهود المؤلف في تشييد نص مخاتل ماكر كما هو ديدنه،وخضع لسلطة تأويلية ذهبت أحيانا إلى حد التشنج في ربط النص بصراعات قائمة بين "السلطة الدينية "التي ترفع شعار المروق والخروج عن الدين...والسلطة العقلانية"التي تدعو إلى الحرية وفصل الدين عن الانشطة الفكرية وحصردوره في مجال الحياة الخاصة للأفراد. بعيدا كل ما قيل يبقى النص بنكهة خاصة عرفنا بها صاحبه تنم عن قدرة عالية على اقتناص الموقف واللحظة والتصوير المشهدي وبراعة في بناء المفارقة المولدة للسخرية من حطام مؤلم.ولكن ساس ويسوس كلما دخلت ميدانا "أفسدته".
وفي الختام ،أقول هذا رأي ضمن غيره من الآراء، لايدعي ملك الحقيقة، ولا يحاكم أحدا بل هو مجرد محاولة...
لايفوتني ان اشكر الصديق نبيل النجار مبدع النص،والأستاذة منال خطاب على هذا العرس الرائع،وباقي المساهمين في إنجاح هذه الفعالية الجميلة.
نص القصة القصيرة
ـ أزر.. ماذا؟.
ـ أذربيجان..أذربيجان أمي.
التفتت جدتي هنا وهناك كأنها تبحث عن هذه الأذربيجان التي لم تسمع عنها يوماً ولم تستطع حتى لفظ اسمها،جلست القرفصاء وضعت رأسها بين كفيها وأخذت تهتز يمنة ويسرى؛ بدأت تنوح بصوتها المتحشرج موالاً:
حباب القلب راحو شروقي
أخذوا ضوى العين وأخذوا شروقي
بالله ياهوى الروح ردهم بالشروقي
أخذها النواح..أو ربما نسيت الكلمات لكنها استمرت بهز رأسها، اقترب أبي منها، قبل يدها ورأسها: أمي كرمى لله لاداع لهذه المناحة، تعرفين أنني مضطر، مرغم؛ هل كنت سأترككم لولا ذلك؟.
اقتربت عمتي منها حاولت أن تحضنها، أما أمي فقد صارت تنشج بصوت عال بعدما كان بكاؤها صامتاً، وقف والدي حائراً بين سيل الدموع الذي يحاصره من جميع الجهات، أدخل كفيه في جيبي بنطاله المموه بالأسود والأخضر والأصفر الباهت
ـ طيب خبروني ماذا أفعل، لوبقيت من أين نأكل؟
هنا لايوجد شغل، والأرض إما محروقة أو مزروعة بالألغام أكثر من الشجر، هل أبقى ونفتح فمنا للهواء؟ أو أسافر وأقبض ألف وخمسمائة دولار كل شهر؟.
اقتربت والدتي بصمت، وضعت حقيبته عند قدميه؛ ألصقت صدرها بظهره، نظر إليها؛ انكسرت عيناه قليلاً، رق صوته عن المعتاد: لاتخش شيئاً سعدية، ذهبت المرة الماضية إلى ليبيا وعدت..ماذا جرى لي؟ لاشيء..كما ترين.. عمر الشقي بقي.
ـ طيب عد إلى ليبيا..قالت جدتي وكأنها الوحيدة التي تستطيع الكلام: بلاد نعرفها وتعرفنا..عرب مثلنا وفيها نقود..ليبيا أحسن من هذه ال..ال..
ـ أذربيجان جدتي...أنجدتها لتتذكر
هزت يدها في الهواء كأنها تطرد الكلمة اللعينة.
ـ أمي تركيا تريد أخذنا إلى هناك؛ انتهت أيام ليبيا
ـ يلعن أبو تركيا... ً ماذا جاءنا منها إلا الخراب؛ تأخذ رجالنا و..و.. يلعن أبوها على..
نفير سيارة قاطع الحديث، نظرنا لوالدي ونظر هو إلينا، عدل سترته بحركة من كتفيه.
ـ جاسم..احمل الحقيبه.
علقت حقيبته على كتفي ومشيت وراءه، أخذها مني عند الباب، أمسك بكتفي: جاسم.. أنت رجل البيت من بعدي..حافظ عليهم واحمهم فهمت، ربت على رقبتي بكفه الضخمة.
نفخت صدري؛ حاولت شد قامتي أكثر، نظرت إليهم لأتأكد أنهم قد سمعوا وصية أبي الأخيرة.
عادت جدتي للهز والغناء بنفس نغمها الرتيب:
آه ياشجرة الفستق الحلبي
ضاعت منها الكلمات ثانية، كررت الجملة عدة مرات حتى تأكدت تماماً أن الذاكرة لن تسعفها فصمتت واستمرت بالاهتزاز الرتيب.
جلست مكان والدي، أصلحت وضع الوسائد كما يفعل، اتكأت وسحبت نربيش النرجيلة، كركرت مياهها، اندفع طعم كريه لفمي ثم غرقت في النوم، حلمت بأبي يقطف شجرة فستق حلبي في أرض غير أرضنا فكرت أنها أذربيجان.
استيقظت على قرع الباب؛
ـ أهلا حبابتي*، قبلت يدها؛ صرخت بحبور: أمي جاءت أمك.
حضورها سيبدد جو الكأبة والوجوم الذي سيطر على البيت بعد رحيل والدي؛ جدتاي كالنار والزيت لاتلتقيان إلا وتحصل خناقة وسباب لذلك تفاءلت بسهرة مليئة بالضحك والسرور.
ـ مثل ماودعتم تلاقوا، يروح ويرجع بالسلامة إن شاء الله، ناولت كيساً صغيراً لأمي التي سندتها حتى تدخل الغرفة.
ـ الله يسلمك؛ ردت عليها جدتي من خلف شفتيها.
دخلت عمتي تحمل عدة المتة* وموقداً غازياً صغيراً كانت قد نسجت له ثوباً صوفياً فيه خيوط براقة.
فتحت أمي الكيس ثم تناولت سكيناً قريباً.
ـ فاكهة الدار تطيل الأعمار؛ أشارت جدتي لمحتويات كيسها الذي ظهرت منه حبات الكستناء البنية اللامعة.
عدت للإتكاء في مكاني الجديد فيما بدأت أمي تحز حزوزاً طولية على تلك الحبات.
ـ حبابة..لماذا يلقبوننا ببيت الناجي؟ احك لنا القصة.
أمي نظرت لي شزراً.
ـ من قال أنكم بيت الناجي، كل الضيعة تعرفكم بيت العيار، من أين خرجتم لنا بقصة الناجي؟.
ـ اسمع جاسم، قالت جدتي وهي تشخر كأس المتة قبل أن تعيده لعمتي: والدي كان العائد الوحيد أيام السفر برلك، فسمونا بيت الناجي.
ـ السفر برلك؟.
ـ الأتراك العثمانيون كانوا يلمون الشباب الأقوياء ويأخذونهم ليحاربوا في السفر برلك.
ـ مثل أبي الآن؟.
تدخلت أمي بعد أن نفد صبرها: ألم يعلمونكم شيئاً في المدرسة؟ كانوا يأخذون الرجال غصباً، طفرت من عينيها الدموع فاختنق صوتها وأحنت رأسها.
ريتت عمتي على كتف أمي،سحبتها قليلاً، ضمتها جانبياً بصمت.
سادت لحظة وجوم ثقيلة ثم عادت جدتي للحديث بعد أن لمست ركبتي: أيامها، دخل الجنود وبدأوا يلملمون الشباب من الحقول والبيوت والمتابن، لم يتركوا إلا الصبيان والعجائز والعرجان والمهابيل، تركوا أباهاـ أشارت لجدتي لأمي ـ كان طرطوراً، وضعت يدها على فمها حتى لايسقط طقم أسنانها أثناء الضحك.
ـ أنا أبي كان طرطوراً، أجابت جدتي بهياج، قولي أن والدك كان لصاً جبانا ًسرق الأموات وعاد لينصب على أهالي الضيعة ويسلبهم أراضيهم.
حبة كستناء فرقعت كأنها تريد المشاركه في الجدال الحامي أو أنها كانت تدافع عن جد أبي.
ـ أبوك جلب معه نقوداً؟ جدتي، الأتراك أعطوه؟.
ـ افهم القصة جاسم واحفظها، قائد الحملة كان يركب على حمار، كانوا متجهين لحرب اليمن بعدها ضاعوا في الصحراء بين الرمال ولم يعد معهم طعام ولاماء، لما جاعوا كثيرا ذبحوا الحمار، أبي اشترى خصيتيه من اليوزباشي، اشتراهما بمجيديين.
الخصيتان، جاسم كلهم عروق وجذور مثل الخيطان كان يؤجرهم للعساكر يعلكونها ويلوكونها مدة ويعيدونها.
جدتي وهي تشرح عن الخصيتين كانت تكور كفها وتمدها أمامنا، أمي وضعت يدها على فمها كأنها تمنع التقيؤ وكذلك فعلت عمتي.
ـ الله يسرها معه وأعاده سالماً ومعه نقود أيضاً.
ـ عاد وياليته ماعاد، بدأ ينصب على أهل الضيعة ويستولي على أراضيهم، وأولهم أراضينا.
ـ لماذا نصب؟ تحفزت جدتي وارتفع صوتها، كله بيع وشراء والحجج مازالت موجودة، أيامها أنا كنت واعية..أبوك كان يبيع الأرض ليأكل حلاوة طحينية ويشرب المتة، بعمره ما مسك رفشاً.
ـ أصلاً..الحمار الذي استولى عليه اليوزباشي كان من بيت جدي المختار، فكل الأراضي التي اشتراها أبوك من خصيتي حمارنا.
نفضت جدتي يدها في الهواء بعصبية: اذهبي وخذي الأرض التي تشبع عينيك..اذهبي احفري بها قبراً، ماهي الأراضي بالأخير ستصير لأولاد ابنتك.
لملمت أطراف ثوبها بعدما أبعدت من أمامها صحن الكستناء المشوية، استندت على أمي لتصل قرب الباب: أبناء ابنتي!.. أبناء ابنتي سيطلعون لأبيهم وأجدادهم مرتزكة.. أصلاً صاروا يلقبونكم بالضيعة ببيت المرتزكة.
تساءلت جدتي بدهشة: ماذا قالت؟ ماهي الكلمة؟
ـ مرتزكة جدتي مرتزكة.
ـ سمعتها لكن مامعناها؟ أكيد تشتمنا!.
رفعت يدي وقلبت شفتي السفلى.
*حبابة: هي الجدة أم الأم أو الأب بلهجة الشمال السوري.
*المتة: مشروب عشبي أصله من الأرجنتين، تعرف عليه السوريون نتيجة الهجرات الى أمريكا الجنوبية خلال فترة الاحتلال العثماني، له طقوس خاصة في الشرب، يقال انه مفيد لادرار البول ويعطي إحساسا بالشبع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق